الرسوم المتحركة


الرسوم المتحركة في قفص الاتهام

وقف طفل يدرس في السنة الدراسية الأولى في إحدى مدارس دول الخليج أمام أستاذه وعلامات الخجل والارتباك تبدو علي محياه ليسأل أستاذه قائلاً : من أكبر ...  الله أم جراندايزر ؟ . صعق الأستاذ  من هَوْل السؤال ودلالاته  التى توحي بتأثير كبير من هذا الفلم الكرتوني على عقيدة هذا الطفل الصغير وتصوراته حول عظمة الله وقدرته ، وشرع الأستاذ يشرح ويوضح للطفل الصغير أن هذا الجراندايزر ما هو إلا صورة وهمية  ليس لها في أرض الواقع حقيقة ، وهي أعجز من كل شيء .

ليس كل الأطفال بالطبع على شاكلة هذا الطفل الصغير فيتأثرون بنفس مستوى تأثره لأن ثمة عوامل أخرى عديدة تساهم في تشكيل عقلية الطفل وتساعد على سرعة التأثر أو إبطائه  إلا أن كثيراً من الباحثين  والمربين ومن الآباء والأمهات يجمعون على وجود تأثير سلبي كبير من عدد لا بأس به من أفلام الرسوم المتحركة التى تعرض على شاشات التلفازات العربية ، وأظن أنك أخي القارئ قرأت وسمعت كثيراً من القصص  المحزنة أحياناً والتى تدل على شديد تأثر الأطفال ببعض مايعرض ومنها أن يلقى الطفل بنفسه من الأدوار العلوية  رغبة في تقليد (السوبرمان)  أو غيره من أبطال أفلام الكرتون التى يظهر فيها البطل بصورة المنقذ ذي القوة الخرافية الخارقة  مثل( ميكى ماوس) و (باباي) وغيرهم .

ويوجه  الباحثون النقد بالدرجة الأولى في هذا التأثير السلبي والغزو الفكري المبكر إلى نوعيات محددة من برامج الأطفال وهي تلك البرامج الكرتونية الخيالية التى غالباً ما تكون مستوردة من ثقافات بعيدة عن قيمنا وتقاليدنا  وسأعرض خلاصة سريعة لبعض الدراسات العلمية التى درست بعض سلبيات البرامج الكرتونية الشهيرة  ومنها :

استثارة بعض أفلام الكرتون للغريزة الجنسية لدى الطفل في وقت مبكر حيث تتضمن بعض أفلام الرسوم المتحركة والأفلام المدبلجة  قصصاً في الحب والغرام بين الرجل والمرأة وأحياناً بين الحيوانات كالكلاب والقطط والسناجب وربما تفنن الرسامون في تزيين تلك الحيوانات برموش طويلة وعيون واسعة كحيلة ، وكما يقول أحد النقاد لأحد البرامج الشهيرة وهو (برنامج باباي) إن البرنامج في حقيقته تجسيد لصراع رجلين قويين من أجل امرأة .

كما تستثير بعض البرامج غريزة العنف وتعمق الحقد والعداء ضد الآخرين فالصراع الدائر بين ( توم و جيري)  الممتع والمشوق للأطفال هو في الحقيقة صور من المقالب والكمائن المتبادلة بين الفأر والقط  تعمق الرغبة في الانتقام وتدفع للنيل من الآخرين .

وفي دراسة علمية تحليلية جرت في جامعة الإمارات للصور والكلمات الواردة في برنامج سنان وهو برنامج عالمي مدبلج وكنموذج لإحدى الحلقات فقط ظهرت صورة واحدة ايجابية للحلال والحرام مقابل ثلاثين صورة مخالفة للعقيدة والحلال والحرام اشتملت على صور للصليب والتبرج والاختلاط والتقبيل ، وذكرت الدراسة أن برنامج (السنافر ) وهو برنامج كرتوني مدبلج كان مليئاَ بالحفلات الراقصة الصاخبة والقبلات الحارة والسحر والشعوذة  وبكثير من الشتائم والألفاظ البذيئة والعبارات الماجنة ومناظر العنف والصراع بين شخصياته وقد احتوى البرنامج على كلمات كفرية مثل قول شرشبيل لسنفورة ( كما كنت حين صنعتك ) مما يوحي بأن لديه قدرة على الخلق والايجاد وقوله : ( حين تصل عاصفتي ) ومدبر الأمور هو الله سبحانه . وذكرت الدراسة أن هذا البرنامج مليء بالمخالفات لمفهوم الربوبية واليوم الآخر ومفهوم الحلال والحرام بالإضافة لتأثيراته السلبية على اللغة العربية  .

وأظنك أخي القارئ قد شاهدت عدداً من الرسوم المتحركة التى يصل فيها المضروب إلى سطح القمر أو يقف بطل الفلم فوق السحاب ليتحكم في كمية الأمطار أو ربما سيطر على الكرة الأرضية كلها ، وتزداد خطورة هذه الرسوم لسببين هما : تكرار تقديمها بشكل يومي تقريباً مما يزيد في رسوخها في ذهن الطفل ، والثاني أن الطفل مغرم بالتقليد والمحاكاة ، ونحن لانرى الأفكار التى تتكون في عقول أبنائنا وبناتنا وإنما نلمس من بعض تصرفاتهم شيئاً مما يعتقدون ، ولذلك يخشى بعض التربويين والمصلحين  أن تهدم بعض أفلام الكرتون ماتبنيه الأسرة والمسجد والمدرسة وبأساليب مشوقة وممتعة تجد استجابة عند فلذات الأكباد أكبر من كل وسائل التربية الأخرى .

وسيقول بعض المتحمسين منكم  إذن يجب وقف برامج الأطفال فوراً وبدون تردد فهل هذا هو الحل ؟

سيعترض عدد كبير من مشجعي هذه البرامج من الصغار أولاً ومن بعض الكبار ثانياً الذين يستمتعون ببعض مشاهدها ،  وهناك اعتراض من بعض الآباء والأمهات الذين يقترحون على أطفالهم مشاهدة أفلام الكرتون لتستطيع الأم إنجاز أعمالها في المطبخ ويستطيع الأب إنجاز أعماله في المكتب دون إزعاج بفضل الخدمة الساحرة لهذه الأفلام ، وتدل الدراسات أيضاً على أن أفلام الرسوم المتحركة تأتى في مقدمة البرامج التى يفضل الأطفال مشاهدتها ، يقول الباحث ( ويلبور شيكرام ) وزملاؤه في بحث ميداني عن أثر التلفاز على الأطفال أنه تبين لهم أن الأطفال يشاهدون التلفاز لإحساسهم بالسرور عند مشاهدتهم له  ولما يقدمه لهم من ترفيه وهو يجعل الطفل يعيش في عالم من الخيال يتخلص به من مشاكل الحياة الواقعية الصغيرة التى تعترضه لأنها  في نظره كبيرة كما أنه يدفع عنه الملل ويشبع رغبته  في الترفيه .

إن الحل على المستوى الرسمي يتمثل في  وقف عرض البرامج الأجنبية والمدبلجة التى تحتوى على أفكار سيئة وخطيرة كما ظهر في بعض النماذج السابقة وتشديد الرقابة عليها وحذف كل مايخالف عقيدتنا وتقاليدنا ومحاولة التقليل منها قدر المستطاع ، كما يتمثل في إنتاج برامج عربية هادفة ومشوقة يقوم بالإعداد لها خبراء في مجال الطفولة والإعلام تقدم للطفل المتعة والفائدة وتحـافظ على عقيدته وسلوكه وآدابه .

وعلى مستوى الفرد والأسرة لابد من تخفيف التعرض للبرامج التى نخشى من تأثيرها عليهم وكما تقول إحدى الأمهات : إن كان لابد من مشاهدة بعضها فيكون ذلك بجلوسها معهم وتوضيح حقيقة مايحدث فتقول لطفلها :انظر لايمكن للقط أن يطير، وعندما تطلق النار على الكلب فإنه يموت وهكذا حتى يعلم الطفل أن هذه خيالات وليست حقائق تستحق التقليد ، كما يمكن للأب شراء البديل التربوي الجيد المشوق مما هو متوفر في السوق حالياً من إنتاج محلي وعربي، تعليمي وترفيهي في نفس الوقت ، كما أنه من الواجب على الأسرة تحقيق التنويع في مجالات الترفيه كتشجيع الهوايات المختلفة كالرسم والمطالعات والقصص والرحلات والسباحة وغيرها لأن حصر الترفيه في جانب التلفاز يعني وجود طفل ضعيف الجسم قليل الحركة وربما ضعيف البصر .

والمحور الأول والأهم هو قيام الأسرة بواجب التربية الحقة وغرس العقيدة الصحيحة وتعليمه الآداب والسلوك وتعويده على احترام مواعيد النوم والاستذكار ونحو ذلك ، وتحقيق الثقة بينه وبين والديه حتى يسأل ويناقش ويحاور دون تردد وخوف .

                                                                د. إسماعيل أحمد النزاري



كاتب المقال : upload/625624780_ANIM_1.jpg
تاريخ النشر : 17/02/2013
من موقع : نزاري نت
رابط الموقع : http://nezari.net
Print MicrosoftInternetExplorer4